عبد المنعم النمر
31
علم التفسير
هذا الحديث فيما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر هو : « بلغوا عنى ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج . ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) « 1 » فبعض المشتغلين بالتفسير من العلماء يرون أن هذا يفيد إباحة النقل ، والتحدث عن أهل الكتاب فيما يروونه وينقلونه من كتبهم ! ! ولا بد لنا حينئذ من وضع الحديث الأول هنا بجانب هذا الحديث - وكلاهما رواه البخاري « 2 » - يقول عليه الصلاة والسلام « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم و قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ . . » الآية « 3 » . فأصبح أمامنا حديثان : الأول . . يدعونا إلى ألّا نصدق أهل الكتاب ، ولا نكذبهم فيما يروونه من كتبهم ، ومعنى هذا أننا لا ننقل عنهم ، لأن النقل يؤدى إلى ترويج كلامهم ، وحمل الناس على تصديقه ، لا سيما إذا كان الناقل موثوقا به عند الناس . . والنتيجة أننا لا يصح أن نحدث عن بني إسرائيل . والثاني يقول : ( بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) ويأتي هذا الأمر بعد الأمر بالتبليغ عن الرسول ولو آية . . كأنهما بميزان واحد أو متقاربان على الأقل في إفادة العلم وفي ضرورة الثقة ! ! والحديثان في ظاهرهما لا يمكن أن يصدرا عن الرسول . . فلا بد اذن من شئ خفى يحتاج إلى التأويل في معنى الحديثين حتى يلتقيا . . وقد سبق أن بينا معنى حديث ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ) وقلنا إن مجال تحقيق هذا الحديث وتنفيذ ما جاء فيه ، هو ما لم يرد فيه نص من القرآن أو السنة . . مثل ما سكت عنه القرآن من تفاصيل القصص . . فلا يصح أن ننقلها عنهم ، ونحكى للناس لون كلب أهل الكهف ، ونوع خشب سفينة نوح الخ . .
--> ( 1 ) ج 6 من فتح الباري في شرح البخاري - كتاب الأنبياء - باب ما ذكر عن بنى اسرائل . ( 2 ) في فتح الباري ص 120 ج 8 . ( 3 ) 136 - من سورة البقرة .